لماذا موظفو فيسبوك هم الأسعد على الإطلاق

الوقت المقدّر للقراءة: 4 دقيقة و 23 ثانية.

 

هذه المقالة عبارة عن مقتطفات من كتاب “أن تصبح فيسبوك – Becoming Facebook” من قبل “مايك هوفلينغر – Mike Hoefflinger”، إنها قصة من داخل “فيسبوك” تُروى من قبل الرئيس السابق للتسويق التجاري العالمي، الذي يروي  القرارات الـ 10 الكبرى التي اتّخذها “فيسبوك” والتي أدّت إلى انتقال الشركة من حادثة انخفاض الأسهم الكارثيّ الذي حدثت عام 2012 إلى واحدة من كبرى شركات العالم، وهذا القسم مقتبس من فصل “كيف يربح فيسبوك حروب الحصول على المواهب”، ويناقش استراتيجياتهم الفريدة للتوظيف والحصول على المواهب المثلى.  

 

بالعودة إلى عام، 1999″ لوري غولر – Lori Goler” مسؤولة قسم الموارد البشرية في فيسبوك كانت معجبةً بكتاب “ماركوس باكينجهام” و “كورت كوفمان” في الإدارة “أولاً، حطم كل القواعد – First, Break All the Rules” والذي يستند على دراسات “Gallup” التي جرت على 80,000 مدير في 400 شركة مختلفة، يجد الكتاب 4 نقاط مشتركة بين نخبة كبار المدراء:

 

1- اختر الأشخاص حسب الموهبة، وليس فقط حسب الخبرة أو العزيمة.
2- حدّد النتائج وليس الخطوات.
3- حفّز عن طريق التركيز على نقاط القوة وليس عبر إصلاح نقاط الضعف.
4- أوجد الشخص الملائم للمهمّة وليس الشخص المتوفر أمامك.

 

اطلب مساحتك الإعلانية

الإستراتيجيات 1 و2 مهمّتان، ولكن ما جذب اهتمام غولر هما 3 و 4: فالعقلية التنظيمية تركّز على نقاط قوة الأفراد وتتجاهل نقاط ضعفهم (أو تُسند لهؤلاء الأشخاص مهاماً لا تؤثر نقاط ضعفهم فيها)

هذه الطريقة تربط الموظفين أكثر بعملهم و شركاتهم، وهذا بدوره يلعب دوراً رئيسيّاً في أدائهم و نيّتهم في البقاء، وهذا يشكل العامل المُهم والبارز في اقتصاد الناس (الشركات التي يكون التعامل فيها شخص – شخص) في “سيليكون فالي – Silicon Valley”.

 

لماذا لدى غولر ثقة عالية في المنهجية التي تركز على المشاركة؟

 

يعود ذلك إلى الانسجام بين الرياضيات و”الانسيابية” التي تكمن في سياسة “التنقّل بين المهام”، فعندما تقوم بربط نقاط القوة الخاصة بالأشخاص بالأدوار المسندة إليهم من أجل تحقيق أقصى قدر من التفاعل والمشاركة قد يبدو ذلك للعديد من الأشخاص “جيداً”، لكن أثر نجاح هذه الممارسة يذهب أعمق من ذلك بكثير ونراه متجذّراً في البحوث التي بدأت في سبعينيات القرن الماضي في جامعة شيكاغو من قبل عالم النفس الهنغاري “ميهالي سكسزنتماليهالي – Mihaly Csikszentmihalyi” المعروف ببساطة باسم “الانسيابية – flow”، فإنه يشير إلى الحالة المثلى للوعي حيث نشعر- و نؤدي – قصارى جهدنا، ومن المفيد جداً أنه في دراسة مدتها 10 سنوات أجراها “ماكينزي – McKinsey”، أفاد كبار المدراء التنفيذيين أن إنتاجيتهم تتضاعف 5 مرات أكثر عندما يكونوا في حالة “الانسيابية”.

 

 

عمَل “سيكسزنتميهالي” يرسم نهجاً محددّاً لفهم كيفية الدخول في “الانسيابية” ولماذا تعدّ طريقة فعّالة:

 

يتوضع الانسياب في الجزء العلوي الأيمن من الشكل، ويربط مهاراتك الخاصة بالمهمة مع التحدي الذي تشكله تلك المهمة

– عندما تكون ذو مهارة ولكن لا يوجد لديك تحديات، ستشعر بالملل.

– عندما تنقصُك المهارة ولكن تواجه تحدّ قوي ستكون قلقاً.

– عندما تكون بلا مهارة و لا تحدّ ستكون غير مبالٍ.

أما في منطقة “الانسياب” ستكون متوازناً بدقة بين النمو المستمر في مهارة موجودة لديك ومستوى تحدٍّ أكبر من تلك المهارة.

 

فعندما نكون في المرحلة الجيدة من التوازن و”الانسياب” سنشعر بالتركيز، وبثقة أعلى وإبداع أكبر، كما أننا سنتعلّم بشكل أسرع، وسيتشكل لدينا دافع جوهري عالي.

 

وجود المزيد من “الانسيابية” في العمل يرتكز على مبدأ “تركيز غولر” وهو ربط نقاط قوة الأفراد بأدوارهم، حيث لا يمكن أن يصل أحد إلى “الانسيابية” عن طريق أوامر مديره، ومن المستحيل الوصول إليها دون التحفيز الداخلي وثقتك بكون فرصتك متوازنة مع قدرتك.

 

عندما تتمكّن الفرق والمنظمات بأكملها من تحقيق هذه الشروط على نطاق واسع، يمكن أن تكون “الانسيابية” موجودة في النظام بأكمله، ويعرف هذا بـ “الانسيابية الاجتماعية”، وفي فيسبوك تنبع هذه الانسيابية من المشاركة الهائلة لمهمة فيسبوك لجعل العالم أكثر انفتاحاً وتواصلاً على جميع مستويات الشركة، بالإضافة إلى التناغم الناتج عن التفاعل والمشاركة بين الموظفين.

 

وأفضل وسيلة لتحقيق ذلك تكمن في عدم الاعتماد على سياسة “تسلّق السلم الوظيفي” التقليدية، فحياة “لوري غولر” المهنية هي خير مثال على عدم تتَبع درجات السلم الوظيفي النمطية، فهي تراجعت إلى الخلف عن  وظيفتها الأصلية في فيسبوك.

 

فإذا كان الشعور بالارتباط لايمكن أن يستمر إلا من خلال الترقية إلى مستويات أعلى ضمن الهرم الوظيفي، فإن “سياسة السلم” تجعل من المؤكد أن المشاركة لن تستمر بالنسبة لمعظم الموظفين، ومن ناحية أخرى فإن سياسة “التنقل بين المهام” توفر المرونة في زيادة المهارات الشخصية بالتزامن مع تحديات أكبر في مجال واحد، فضلاً عن إعطاء مزيج جديد من الإهتمام والمهارة والتحدي.

 

بكلماتٍ أخرى، هناك ببساطة مجال أكبر في سياسة “التنقل بين المهام” من “سياسة تسلق السلم” للحفاظ على الانسياب،  وقد أظهرت”الانسيابية” أهمية عظيمة بالنسبة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم يؤدون في أفضل مهامهم وأعمالهم، وذلك من خلال بحث قد أُجري على أشخاص يعملون في مجالات عديدة كأطباء جرّاحين، ولاعبي شطرنج، وفنانين.

 

كفى حديثاً عن النظريات، هل هذه الطريقة قابلة للتطبيق؟

انطلاقاً من البيانات التي جمعتها شركة “بايسكال – Payscale” في عام 2015 من 33,500 من العمال التقنين وما نشرته في مارس 2016 فإن الطريقة تعمل بشكل جيد للغاية، وكان موظفو فيسبوك هم الأكثر رضا بنسبة 96٪ والأقل شعوراً بالإجهاد بنسبة 44٪ من بين أشهر 18 شركة تكنولوجية التي كانت محور الدراسة،  وكانت الشركة التي تلي فيسبوك بالمرتبة هي “غوغل – google” والتي كانت النسبة أقل من 90٪ شعور بالرضا و الارتياح، أما شركة “آبل – apple” عملاقة التكنولوجيا فبالكاد تخطّت 70٪.

 

بالإضافة إلى ذلك، بحسب موقع “غلاسدور -Glassdoor” الذي يجري استبيانات خفية تتعلق بالأعمال فإن فيسبوك يحتل المركز 2 (و المركز 1 في التكنولوجيا) في قائمة “أفضل الأماكن للعمل في عام 2017” مع تصنيف 4.5 من أصل 5 نجوم، و 92٪ من الموظفين من المرجح أن يوصوا بالشركة لصديق، أيضاً 92٪ من الموظفين لديهم نظرة إيجابية لمستقبل الشركة و 98٪ يعطون الموافقة على قيادة زوكربيرج كرئيس تنفيذي، في حين أن غوغل هي الرابعة وآبل هي 36.

 

وعلى الرغم من سخرية البعض، إلّا أن وسائل الراحة مثل المأكولات المجانية وخدمة غسيل الملابس والحافلات المميزة أصبحت شائعة جداً في “سيليكون فالي”، ولم تعد تشكل فارقاً في حرب الحصول على المواهب التي تشنّ في مجال التكنولوجيا كل يوم، والسمعة المقترنة بالرضا الوظيفي على نطاق الشركة أصبحت في كثير من الأحيان تصنع الفرق.

 

ووفقاً لتحليلات موقع التوظيف “توب بروسبيكت – Top Prospect” في فترة مبكرة من عام 2011، فقد كان استقطاب “فيسبوك” لموظفي شركة “آبل” أكثر بـ 11 مرة من استقطاب “آبل” لموظفي “فيسبوك”، و بأفضلية لـ فيسبوك 1/15 على غوغل 1/30 على مايكروسوفت، وحتى في عام 2015 بيانات “لينكد إن – Linkedin”.

وأحد أكثر الأمثلة المعيارية لبيئة عمل “فيسبوك” التي تركّز على المشاركة و التفاعل بين الموظفين، هو اختيار المهندسين -الذين انضموا حديثاً إلى فريق العمل- فريقهم الذي يرغبون بالعمل ضمنه في ختام الأسابيع التدريبية الستة الخاصة لكل مهندس.

 

ولعل أكثر من ذلك بكثير، فإن النهج القائم على نقاط القوة يلعب دوراً كبيراً في الوصول إلى قمة هرم موظفي الشركة، بما في ذلك تقسيم العمل بين زوكربيرج (الذي يركز تقريباً كل وقته على استراتيجية المنتج والتنمية) وساندبرج (الذي يركز على تشغيل أعمال الإعلان التجارية).

 

يقضي زوكربيرج القليل من الوقت مع العملاء المهتمين بمجال الإعلان، هذا يناقض غالبية المدراء التنفيذيين الذين يميلون إلى النهج التقليدي،  وبالمثل فإن ساندبيرغ يمضي وقت قليل على مستخدمي فيسبوك، وهذه ليست علامات على عدم الاهتمام بالعملاء أو عدم احترام المنتجات، ولكن ببساطة تعظيم مقدار الوقت الذي يقضيه الثنائي في مجالات إبداعهم.

 

هذه الممارسة تعطي “فيسبوك” وموظفيها وعملائها أفضل النتائج والتجارب الممكنة، ويشكّل زوكربيرج و ساندبرغ أفضل النماذج لـ “غولر” في نهج القوة القائم على المشاركة، مذكرين بأن على كل موظف البحث عن أفضل دور يناسبه و على كل مدير أن يلعب دوراً فاعلاً في العمل.

 

إعداد: Toufik Wazzaz
مراجعة: Jaclyn Touma
مراجعة: Manar Damani

 

شارك برأيك

avatar
  اشترك  
نبهني بـ