إدارة الأعمال

مخفّض التكاليف: شجاع، ذكي وسفاح

مخفّض التكاليف: شجاع، ذكي وسفاح

الوقت المقدر للقراءة : 3 دقيقة و 25 ثانية

خبر مزلزل

في أميركا صيف عام 1994 جاء الخبر كالصاعقة المدوّية، خبر مصوّر لمدير تنفيذي في شركة ’’نينكس كوربورت – Nynex Corporate‘‘ جاء فيه أن الشركة الربحية تحتاج لاقتطاع 40% من ميزانية عملياتها التشغيلية كي تحافظ على قدرتها التنافسية.

وكانت النتيجة تقليص عدد الموظفين والذي يؤدي إلى شطب أسماء 15-25 ألف موظف من كشوفات الرواتب، الأمر الذي يعني أن هناك أكثر من شخص واحد من أصل خمسة موظفين – في هذه الشركة – سيخسر وظيفته.

 

كبش الفداء

وراء كل عملية كبرى لتقليص عدد الموظفين شخص يقود هذه المساعي، فيصبح هو القائد وكبش الفداء في آن معاً. وفي شركة ’’نينكس‘‘ يقوم ’’روبيرت ثراشر – Robert Thrasher‘‘ بهذا الدور.

في الواقع إنه مدير صعب المراس في الـ 51 من العمر وله تاريخ حافل بخرق القوانين. تبلغ قامة ’’ثراشر‘‘ 5 أقدام و3 إنشات “160 سم تماماً” وهو أشبه بكتلة عضلية مكتنزة ومفعمة بالطاقة المسعورة، كما أنه يصف نفسه مداعباً بـ “حيوان عضلي إلكتروني”.

’’ثراشر‘‘ يمشي مسرعاً على الدوام ويتحدث بصوت جهوري ويتميز بالالتزام. وبما أنه مطلّق من زوجته الطبيبة، يصل في العادة قرابة السابعة إلا ربعاً صباحاً ليعود إلى المنزل في تمام السابعة مساءً. ويتضمن ذلك أيام الآحاد أيضاً.

 

Related image

لا شك أن ’’ثراشر‘‘ يفضل أن يعرف بلقب ”صانع التغيير“ لكنه عوضاً عن ذلك لُقّب ”بسفاح الشركة“ المسؤول عن خطة إلغاء 16800 وظيفة. ويقول منتقدوه، وهم كثيرون: “أن مياهاً متجمدة تسري في عروقه وأن آلة حاسبة تنبض في صدره مكان القلب”. هذا ما جعله يضطر ليفصل مجيب الهاتف في منزله بسبب الرسائل البذيئة والتهديدات التي كان يتلقاها كل مساء من موظفين مجهولي الهوية.

الواقع أن عناد ’’ثراشر‘‘ هو ما جعل اختياره لقيادة عملية إعادة هيكلة الشركة أمراً طبيعياً. يقول ’’إيفان دجي سايدنبرغ – Ivan G. Seidenberg‘‘ رئيس ’’نينكس‘‘: “لم يكن لدينا من خيار آخر غير’’بوب ثراشر‘‘، فهو يتمتع بطاقة هائلة وقد أثبت التزامه وشغفه بالشركة كما أنه صلب لا يعرف اللين”.

 

اجتماع عطلة نهاية الأسبوع

أراد ’’ثراشر‘‘ أن يجري دراسة للشركة ليس على مستوى الوحدات والأقسام والوظائف ليقرر إلغاء الوظائف، بل على مستوى خطط لتحليل الشركة انطلاقاً من مساراتها الأربعة الرئيسية:

  • عمليات الزبائن
  •  خدمة دعم الزبائن
  •  الاتصال بالزبائن أي المبيعات والتسويق
  •  توفير الخدمات للزبائن أي تخطيط وتصميم وبناء شبكة الشركة.

الجدير بالذكر أن شركة ’’نينكس‘‘ تعمل في قطاع الاتصالات والهواتف الأرضية وهي رائدة في هذا المجال في عدد من الولايات الأميركية.

في الاجتماع جمع ’’ثراشر‘‘ فرق العمل الأربعة مع عدة مستشارين من ’’مجموعة بوسطن الاستشارية – Boston Consulting Group‘‘ وأعلم الحضور المشكك بما يريده: في الواقع كان يريد تخفيض نفقات العمليات التشغيلية بنسبة 35-40%.

انطلقت المجموعات الأربع ومعها 80 شخصاً من موظفي ’’نينكس‘‘ و 20 مستشاراً من مجموعة بوسطن الاستشارية عبر أروقة البيروقراطية لمراقبة كل العمليات الرئيسية.

وفي سعيها إلى إيجاد واكتشاف أفكار مفيدة، زارت المجموعات 152 شركة تتميز باعتمادها أفضل الممارسات والتطبيقات والحلول.

وبالعودة إلى شركة ’’نينكس‘‘، تفاجأ وصعق الجميع وعلى رأسهم ’’ثراشر‘‘ لاكتشافهم الكثير من الإجراءات غير الفعالة.

ومنها أن ’’نينكس‘‘ اشترت 82 صنفاً من أجهزة الكومبيوتر في السنة الواحدة وأن الشركة أيضاً تتكلف 500 دولار أميركي لطلاء كل شاحنة من الشاحنات التي تم شراؤها حديثاً، لأن الشركة ابتاعتها بدرجة مختلفة من اللون الأبيض.

كما اكتشف أن شركة ’’نينكس‘‘ أنفقت 4,5 مليون دولار على رصد وفوترة 900 ألف دولار أميركي فقط من مجموع الاتصالات الهاتفية التي تتم فوترتها من قبل. والكثير غيرها..!

يقول ’’ثراشر‘‘: “كنت أفكر وأتساءل كيف تمكّنت من البقاء طيلة سنتين ونصف رئيساً لعملية فشلت فشلاً ذريعاً”.

اقترحت الفرق العاملة مع ’’ثراشر‘‘ في بداية الأمر لائحة من 85 حلاً سريعاً أي إصلاحات يسهل تحقيقها.

على سبيل المثال: كانت الشركة ستوفر ما يقارب 7 ملايين دولار سنوياً من تكاليف البريد عبر استخدام وجهي الفاتورة المرسلة للزبون. ولو أن الشركة اعتمدت كمعيار لها نوعين فقط من أجهزة الكومبيوتر الشخصية لكانت ادخرت 25 مليون دولار من نفقاتها السنوية على رأس المال.

 

Related image

عائدات هائلة

لثلاثة أيام متتالية حسب ’’ثراشر‘‘: “هي في الواقع كانت الأيام الأكثر عذاباً في حياتي”، قام ’’ثراشر‘‘ بتقديم عروض توضيحية أمام مدراء ثلاثة مجالس إدارية في ’’نينكس‘‘ وقد فعل ما كان من الممكن أن يجعل أي مدير تنفيذي منهم يرتعد خوفاً. حيث أنه طلب من المدراء تقبّل نفقات قياسية على الأرباح تقدر بـ 1,6 مليار دولار أميركي والاقتطاع بالجملة من كشوفات الرواتب.

أما الصورة المعروضة التي حسمت القرار فقد تضمنت توقعات بأن تولد كل إصلاحات ’’ثراشر‘‘ إذا طُبقت نسبة عائدات داخلية تصل إلى 1025% ومردوداً على الاستثمار في غضون سنتين.

وأخبر ’’ثراشر‘‘ المدراء أنهم سيشهدون عائدات بنسبة 226% ومردوداً على الاستثمار في غضون ثلاث سنوات إذا استطاعت الفرق العاملة لديه أن تحقق 25% فقط من أهدافها.

وعلى الرغم من أن ’’ثراشر‘‘ حصل على الموافقة للمضي في مخططاته، إلا كان يواجه بعض المقاومة، حيث كان يعمل 95 شخصاً على تحقيق التغييرات.

وهو يقول في هذا الإطار: “بعض كبار مدرائنا لا يزالون عاجزين عن فهم المسألة وما علينا فعله هو العثور على هؤلاء المدراء وطردهم وإخراجهم من الشركة”.

 

ويضيف قائلاً: “هذه مهمة شاقة وبشعة، فالضغط والتوتر كبير وسمعتي مشوهة داخل الشركة، ينظر الأفراد إلي باعتباري المسؤول الرئيسي عن تقليص عدد الموظفين. هذه مسألة يصعب التعايش معها. بحق الجحيم، أنا لا أحب صرف موظف واحد، لكن عدم القيام بذلك لن يكون قراراً حكيماً”.

يبدو أن ’’ثراشر‘‘ المسكين يعيش حالةً لا يحسد عليها. لكن في لغة الأعمال والشركات يجب أن تدرأ الأخطار.

إن الحلول التي وصل إليها ’’ثراشر‘‘ والفرق العاملة معه قد لا تؤدي إلى التراجع عن خطة صرف الموظفين وإلغاء الوظائف ولكنها بدون أدنى شك ستحمي الباقين منهم ممن نجوا من موجة التسريح هذه من أن يتعرضوا لموجة أخرى قريبة.

إعداد: مهند عبد الكريم
مراجعة: سارة شهيد

شارك برأيك

avatar
  اشترك  
نبهني بـ

Pin It on Pinterest

Share This